الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
158
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
وهي تؤكّد بالآية التالية لها ، أي قوله تعالى : « وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً » « 1 » ، حيث إنّه بيّنت فيها كيفية العذاب المذكور في تلك الآية وأنّه لا يكون إلّابعد الأمر ووقوع الفسق والمخالفة ، كما أنّ المراد من بعث الرسل في تلك الآية إنّما هو إتمام الحجّة على الناس ، فهو كناية عن بيان التكليف ، فلا خصوصيّة للبعث كما يشهد عليه أنّه لا يعقل العذاب في صورة البعث مع عدم البيان . ثمّ إنّ هاهنا آيتين أخريين توافقان الآية المذكورة في الدلالة على البراءة في ما نحن فيه ، وقد غفل عنهما في كلماتهم : الأولى : قوله تعالى : « وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ » « 2 » ، حيث لا يخفى إنّ دلالة هذه الآية أظهر ممّا ذكره الأصحاب ، لما ورد فيها من التعبير ب « يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا » الذي يدلّ صريحاً على بيان التكليف وإنّه لا عقاب إلّابعد البيان ، فلا حاجة فيها إلى التوجيه المذكور في تلك الآية من أنّ البعث كناية عن البيان . الثانية : قوله تعالى : « وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى » « 3 » ، حيث إنّ المراد من كلمة « قبله » هو قبل بعث الرسل ، فتدلّ على البراءة بناءً على أنّ نقل كلام الكفّار مشعر بالقبول ، لا سيّما مع عدم إنكار القرآن له . والحاصل : إنّ لهذه الآيات الثلاثة مدلولًا واحداً مشتركاً ، وهو البراءة في الشبهات الحكميّة مطلقاً . ولكنّه قد يناقش في دلالتها بأمور عديدة ، أهمّها أمران :
--> ( 1 ) . سورة الإسراء ، الآية 16 ( 2 ) . سورة القصص ، الآية 59 ( 3 ) . سورة طه ، الآية 134